أحمد مصطفى المراغي

61

تفسير المراغي

الشيطان على لسانه حين خالط عقله كما تزعمون ، فإنه قد عرف بصحة العقل ، وبالأمانة على الغيب ، فلا يكون ما يحدّث به من خبر الآخرة والجنة والنار من قول الشياطين . وقد حكى اللّه سبحانه عن الأمم جميعا أنهم رموا أنبياءهم بالجنون فقال : « كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ » . ثم ذكر أنهم قوم قد ضلوا طريق التدبر ، وجهلوا سبيل الحكمة فقال : ( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) أي فأىّ سبيل تسلكونها وقد سدّت عليكم السبل ، وأحاط بكم الحق من جميع جوانبكم ، وبطلت مفترياتكم ، فلم يبق لكم سبيل تستطيعون الهرب منها . ثم بيّن حقيقة القرآن فقال : ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) أي وما هذا القرآن إلا عظة للخلق كافة يتذكرون بها ما غرز في طباعهم من حب الخير ، وإنما أنساهم ذكره ما طرأ عليهم بمقتضى الإلف والعادة من ملكات السوء التي تحدثها أمراض البيئة والمجتمع ، والقدوة السيئة . ثم بيّن أنه لا ينتفع بهذه النظم كل العالمين فقال : ( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ) أي إنه ذكر يتذكر به من وجّه إرادته للاستقامة على جادّة الحق والصواب ؛ أما من انحرف عن ذلك فلا يؤثر فيه هذا الذكر ولا يخرجه من غفلته . والخلاصة - إن على مشيئة المكلف تتوقف الهداية ، وقد فرض عليه أن يوجه فكره نحو الحق ويطلبه ، ويجدّ في كسب الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا . ثم دفع توهم أن إرادة الإنسان مستقلة في فعل ما يريد ، وله الاختيار التام فيما يفعل ، وهو منقطع العلاقة في إرادته من سلطان ربه فقال : ( وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) أي إن إرادتكم الخير لا تحصل لديكم إلا بعد أن يخلقها اللّه فيكم بقدرته ، الموافقة لإرادته ، فهو الذي يودع فيكم